السياسة الخارجية الإيرانية: دراسة نقدية مقارنة

السياسة الخارجية الإيرانية:
دراسة نقدية مقارنة
عياد البطنيجي
باحث في العلوم السياسية 


 تمثل سياسة إيران الخارجية دائما إشكالية، سواء على المستوى التحليلي النظري أو على المستوى العملي، وهو ما سبب إرباكا حقيقيا للمتعاملين معها؛ ومرد ذلك أن طهران لا تتحدث بصوت واحد، وأن ثمة معسكرين في إيران يتداولان تلك المسألة، فضلا عن طبيعة سياستها الحذرة والمعقدة. 


  والسياسة الخارجية هي تلك "السياسة التي يتم بها تنظيم علاقات الدولة ونشاط رعاياها مع غيرها من الدول، وتهدف إلى صيانة استقلال وأمن وحماية مصالحها، ووضع مبادئ وأهداف السياسة الخارجية هي من مسؤوليات القادة العليا للدولة"(1). وتتكون السياسية الخارجية لأية دولة من الوسائل التي تختارها لتحقيق أهدافها في حلبة السياسة الدولية. وعليه فإن السياسة الخارجية هي تصور وأداء لدور وطني معين. 


 ويلاحظ في الآونة الأخيرة، وبخاصة بعد سقوط النظام العراقي، تصاعدا في النفوذ الإقليمي لإيران؛ فهي تقبع على موقع  جيوبوليتيكي متميز قدم لها فرصة كبيرة في استثماره لجهة الدفع بمشروعها التوسعي الدفاعي والهجومي في نفس الوقت، بيد أنه، أي الجيوبولتيكي الإيراني، جعلها أيضا عرضة للمخاطر في منطقة تتسم بالتوتر واللاستقرار. 


 وعليه، تحاول إيران أن تستغل ما لديها من أوراق تؤهلها في بسط نفوذها داخل محيطها الإقليمي، بغية لعب دور قيادي، يعكس قدراتها وإمكانياتها الحقيقية، وثقلها الحضاري والتاريخي، وإحساسها بالرسالة. وهذا ما يعتبر إحدى الإشكاليات التي واجهت إيران في سياستها الخارجية، حيث راوحت سياستها بين المثالية (العقائدية) والواقعية، بين القول والفعل. بالإضافة إلى أنها بلد نامي تفتقر إلى الإمكانيات الكافية لتنفيذ دورها الطموح، لاسيما أن هذا النفوذ الإقليمي جاء في كثر من الأوقات على حساب التنمية الإيرانية الداخلية واحتياجات المجتمع الإيراني، بخاصة في ظل الحصار المضروب عليها، فضلا عن الاحتجاجات الداخلية المعارضة لسياسة إيران الخارجية الطموحة  ذات الكلفة العالية، وبخاصة تدخلها في لبنان والعراق وفلسطين وغيرها من المناطق والأقاليم الأخرى، حيث استنفذ ذلك من مواردها. وبالتالي لابد للدولة أن يكون لها إستراتيجية لسياستها الخارجية متوائمة مع واقعها وقوتها ووزنها الحقيقي، وإلا أصبحت سياستها الخارجية وحركتها الدولية مجردة إلى حد كبير من عوامل الفاعلية. إن أي خلل في هذا التوازن بين قوة الدولة الشاملة وسياستها الخارجية يؤدي إلى نتيجتين: الأولى، أن تكون السياسة الخارجية مجردة من الفاعلية إلى حد كبير. والثانية، أن تكون قوة الدولة غير مستغلة تماما في سياستها الخارجية.


تأسيسا على ذلك، ثمة مجموعة من القضايا تنال الأولوية لسير الدول في سياستها الخارجية، وهي تمثل الأهداف الحيوية:  الأمن، حفظ الذات، والاكتفاء الاقتصادي، والنفوذ والهيبة القوميين، ومحور السياسة الخارجية هو تقرير أفضل السبل التي يمكن اتخاذها لدفع هذه الأهداف إلى الأمام، وهي الأهداف التي تنصب عليها السياسة الخارجية الإيرانية. إذ تصاغ خيارات السياسة الخارجية على ضوء الموارد المتاحة، للوصول إلى الأهداف والخيارات المختارة. وفي بعض الأوقات تؤكد سياسة الدولة الخارجية على واحد أو أكثر من الأهداف هذه على حساب الأهداف الأخرى.


على ضوء ذلك يمكن أن نقيم السياسة الخارجية الإيرانية، بالرغم أن الأهداف الحيوية هذه تعتبر مفاهيم عامة بحاجة لتحويلها إلى خطوات إجرائية كمية. ومن هنا ندرك مدى الصعوبات التي تواجه أية محاولة لتقييم السياسة الخارجية الإيرانية. فمثلا إذا لجأنا إلى معيار الأمن، الذي يشكل بدوره  أبرز قضايا السياسة الخارجية الإيرانية الحرجة، ويعتبر بحق الأكثر إلحاحا لدى الطبقة الحاكمة الإيرانية ذات المصالح السياسية والاقتصادية الواسعة، وقيمنا سياستها بناءً على هذا المعيار:  فهل استطاعت إيران أن تحقق أمنها القومي ؟  من هنا كان تساؤلاتنا المشروعة: ما هو المحدد الرئيس الذي من خلاله يمكن الحكم على نجاح أو فشل  السياسات الأمنية لإيران ؟  تحت أي معيار يمكن أن نجيب على ذلك؟ هل حفظ الذات وكيان الجماعة القومية وضمان بقائها ككيان مستقل هو المعيار؟ أم الحفاظ على الطبقة الحاكمة وضمان بقائها في الحكم؟ أم  استمرار وديمومة النظام؟ أم التحرر من العدوان؟ سنجيب على هذه التساؤلات في متن هذه الدراسة من خلال المحددات التالية:


أولا، المحدد الأمني: 
  تبنت إيران سياسة خارجية ثورية منذ 1979 إذ كانت الطبقة الحاكمة آنذاك محملة برؤية مسبقة تجاه العالم الخارجي انعكست على سياستها الخارجية، جرّت هذه الرؤية عاصفة محملة بعزلة دولية ونظرة سلبية تجاه إيران. إلا أنه مع نهاية الثمانينات من القرن الماضي وبداية عقد التسعينات، بدت إيران أكثر واقعية في سياستها الخارجية، لاسيما مع صعود التيار الواقعي. إثر ذلك سعت إيران إلى إعادة هيكلة علاقاتها الإقليمية والدولية مع الاحتفاظ بثوابتها الإستراتيجية، وانتقلت من الدور الثوري في عهد الخميني، إلى الدور المتوازن إذ ركزت على الدبلوماسية الهادئة والتوازن في علاقاتها الخارجية، وحاولت أن  تجمع بين القوة الصلبة والناعمة، بعيدا عن إثارة الحساسيات؛ بهدف إعادة بناء ما دمرته الحرب العراقية- الإيرانية. رغم ذلك استمرت دول الجوار تقابل كل سياسة إيرانية بنظرة يكتنفها الشك والحذر الشديد.


أما بخصوص علاقتها مع واشنطن، تمكنت الأخيرة من خلقِ نفوذٍ سياسي وعسكري في الشرق والجنوب والشمال وبعض مناطق الجبهة الغربية لإيران،  في كل من أفغانستان والمحيط الهندي وجمهوريات أسيا الوسطى والخليج وتركيا، وأخير العراق، وبالتالي إحكام الحصار الأمريكي على إيران، ولفق طوق أمني وسياسي وعسكري حولها، بغية عزلها وإبعادها عن أية ترتيبات في محيطها الإقليمي، إذ " تشير متابعة السياسة الإيرانية خلال فترة ما بعد الخليج إلى أن هذه السياسة تشهد حالة من الذعر والتوجس من احتمالات تعرض إيران لضربات عسكرية أمريكية أو أمريكية-إسرائيلية"(2).


هذا البيئة المضطربة جعلت إيران تستحوذ عليها فكرة استهدافها عسكريا في إطار ما تسميه واشنطن بـ" محور الشر" . ولولا مأزق أمريكا في العراق وأفغانستان لفتحت جبهات أخرى ربما كانت إيران إحدى هذه الجبهات. ومع ذلك،  ورغم العداء التاريخي بين الطرفين، إلا أنهما لم يصلا حد التناقض الذي لا يمكن أن يتعايش كلاهما معه بحيث يدفع ذلك إلى حرب طاحنة يقضي فيها أحدهما على الآخر، أي أن الواقع التاريخي لتطور العلاقات الأمريكية-الإيرانية يقول إن الطرفين استطاعا أن يتعايشا في رحم تناقضاتهما وإبقاء الأخيرة كامنة.  وبالتالي أستطيع أن أقول: إن سياسة إيران الخارجية استطاعت أن تحافظ على كيانها القومي وحفظ ذاتها واستمرار الطبقة الحاكمة الحفاظ على وجودها هيمنتها على النظام.


ومع ذلك  فرغم هذا النجاح النسبي في سياستها الأمنية، إلا أن إيران  ما تزال في علاقتها الإقليمية والدولية ينتابها عدم ثقة عميقة، حيث تواجه 15 دولة جوار يغلب علي تفاعلاتها سمة التوتر، تجعل إيران والأطراف الإقليمية والدولية في حالة شك دائمة، وهذا بالتأكيد سوف ينعكس على فاعلية سياسة إيران الخارجية، وهو ما يعتبر إخفاقا نسبيا في سياستها الأمنية مما يجعل نجاحها الكامل أمرا مشكوكا فيه، وبخاصة أن إيران ما انفكت تشعر بأنها مستهدفة من القريب والبعيد، وهذا ينعكس على رؤيتها للعالم بما يحول دون تفاعلها الايجابي والبناء، وهو ما له تداعيات سلبية على نظام سياستها الخارجية.  ولعل العزلة والتهديد الموجه ضد طهران جعلا التفكير السياسي الإيراني القائم على المؤامرة ربما يمثل القوة المحركة وراء محاولة الحصول على السلاح النووي. وجدير بالملاحظة أن التهديدات والحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران، فرضا على الأخيرة التركيز على سلامتها ووحدتها الإقليمية وأيقظت وعي الإيرانيين بأهمية الوضع الإقليمي لإيران. 


واستطرادا، لا تزال أنشطة إيران الخارجية تُقابل بنظرة من القلق والشك، لاسيما في العراق ولبنان وفلسطين واليمن ومعظم الدول العربية، ‏وهو ما يحول دون تجذر العلاقات الإيرانية- العربية. فتجذر هذه العلاقة يتطلب بناء مؤسسات مشتركة تؤطر تفاعلاتهما‏، وترعاها جهات نافذة ذات سلطان ونفوذ‏,‏ حتى يتم التعامل مع هذه العلاقة باعتبارها جزءا من نسق علائقي كامل اقتصادي وثقافي وسياسي، عند ذلك يمكن أن تزال أزمة الثقة بين إيران وجوارها، وبخاصة أن إيران لم تقم بالجهد اللازم لتطمين هذه الدول.


لا يمكن لكل ذي عقل حصيف أن ينكر أن سياسة إيران الأمنية جعلتها طرفا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة الأمنية. وبالتالي فإن أي سياسة تحول دون دمج إيران في شبكة طبيعية من العلاقات الدولية والإقليمية، هي سياسة فاشلة وقصيرة الأجل. حيث  ترى المجموعة الأوروبية فرصة اقتصادية كبرى في المساعدة على تسوية الخلافات الأمريكية- الإيرانية. وعلى المستوى الداخلي في واشنطن أخذت شركات النفط والمؤسسات الاقتصادية الأخرى، بالإضافة إلى عدد متنام من الشخصيات السياسة الأمريكية، تنتقد واشنطن لفشلها في حل مشكلاتها مع إيران. وسعت دول عربية خليجية إلى تحسين علاقاتها مع إيران ورفض مشاركتها بأي عمل عسكري ضدها. ولكن يجب على دول الخليج  بخاصة امتلاك عناصر القوة الشاملة لجعل علاقتها مع إيران تقوم على التوازن حتى يمكن تطوير علاقات متوازنة ومنظومة أمنية متناسقة؛ لأنه بدون التوازن الاستراتيجي بين إيران ودول الخليج لن تنبني علاقات متوازنة بل ستكون علاقات مختلة لصالح الطرف الأقوى وهذا يؤدي إلى صراعات مدمرة وعدم استقرار وتوتر دائم.


إن الإستراتيجية الأمريكية المدعومة من الغرب والمؤيدة من قبل بعض الدول العربية التي ترى أن عزل إيران وتطويقها سوف يؤدي إلى " تهدئتها" والى كبح جماحها، دفع السياسة الخارجية الإيرانية إلى مناكفة القوى المواجهة لها، وعدم الإذعان من خلال محاولات التخريب عليها والتهديد بضرب مصالحها. لعل ذلك هو ما دفع القوى الدولية إلى الاعتراف بالدور الإيراني في منطقة الخليج والى الاعتراف بإيران كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. كما أن سياسة الحصار الأمريكي كانت أضيّر بالشركات الأمريكية نفسها من سياسة العقوبات. فوفقا لتقارير أمريكية فإن 670 شركة أمريكية تم منعها من التعاون مع دول من بينها إيران وهذه الشركات فقدت مصالحها في هذه الدول حيث تشير التقديرات إلى انه نتيجة سياسة العقوبات هذه فإن الاقتصاد الأمريكي يفقد سنويا 19 مليار دولار، وهو الدخل الذي ذهب إلى الدول الأوروبية والشرق الأدنى وأوروبا الشرقية، ونتيجة لهذا تبخرت إمكانية إيجاد 200 فرصة في الولايات المتحدة(3).


خلاصة ذلك،  رغم النجاح الذي حققته إيران في هذا الجانب الأمني، إلا أنه لا يمكن الركون إلى المعيار الأمني كمحدد رئيس للحكم على نجاح السياسة الخارجية، لأنه لو اعتبرنا أن حفظ المقومات المادية للذات الإيرانية واستمرارية الطبقة الحاكمة كمعيار وحيد، دليلا على نجاح السياسة الخارجية لاعتبرنا كل الدول بمن فيها الدول "الفاشلة" ناجحة في سياستها الخارجية. فمثلا سورية استطاعت بالفعل أن تحفظ النظام، والطبقة الحاكمة، فهل نعتبر هذا مؤشرا على نجاح سياستها الخارجية رغم أنها إلى الآن لم تنجح في تحقيق قضاياها الكبرى ؟ ولا يعني هذا أن نقلل من أهمية المعيار الأمني كمؤشر على نجاح السياسية الخارجية، ولكن الاعتماد علية كمؤشر وحيد يعتبر خطأ. وهذا ما يدفعنا إلى البحث في المعايير الأخرى، والنظر إلى كافة المعايير من منظور متكامل.


ثانيا، المحدد الاقتصادي:
   يشكل الاكتفاء الاقتصادي القضية الحرجة الثانية في السياسة الخارجية. ويعني الاكتفاء الاقتصادي أن تتوصل الدولة إلى مرحلة لا تضطر فيها إلى مد يد الحاجة للدول الغنية للحصول على مساعدات مالية أو عينية كالسلاح والطائرات وغيرها. وبالتالي قدرة النظام السياسي على أن يصمد من خلال الإنتاج المحلي من خلال الاكتفاء الذاتي، لأن الخلل في ذلك يقود الدولة إلى قفص التبعية للخارج، ويدفعها ذلك إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية لها عواقب وخيمة، مما يهدد وجود الكيان القومي ككيان سياسي مستقل قابل للنمو.


1. الاقتصاد والطاقة النووية:
   تدرك إيران أن الطاقة عصب الحياة في العصر الحاضر، وعليها أن تعمل جادة في القيام بمسئوليتها على توفير الطاقة الكامنة للحياة والتنمية الاقتصادية، وإيجاد مصادر أخرى للطاقة البترولية. ولعل تطوير إيران لبرنامج نووي أحد تجليات هذا الإدراك. وبالفعل استطاعت إيران أن تحقق بعض الانجازات العلمية بهذا الخصوص. فقد نجحت في تخصيب اليورانيوم  باستخدام أجهزة الطرد المركزي. وبإعلان أحمدي نجاد في 11 إبريل 2006 أن إيران امتلكت دورة وقود نووي كاملة، تكون إيران قد امتلكت العلم والتقنية النووية. وهكذا حققت إيران انجازا علميا وتقنيا. وهذا يعني أن البرنامج النووي الإيراني سوف يستخدم في تحديث الدولة علميا وتقنيا في المجال الطبي والزراعي والعسكري، فضلا عن تنوع مصادر الطاقة فيها؛ لأن البترول مادة فانية ناضبة طال الزمن أم قصر، وسكان إيران يتزايدون بمعدلات مرتفعة، وهم في أمس الحاجة لمصادر بديلة للطاقة.


وعلية، تكون الطاقة النووية ركيزة لرفاهية الشعب الإيراني، وذلك من خلال استبدال مصدر الطاقة البترولية بطاقة أخرى نووية، وتقليص احتياجات السوق المحلي من البترول، وهو ما يرفع فائض البترول يتم تصديره للخارج وغزو الأسواق الأجنبية بالبترول الإيراني، وبالتالي زيادة في الدخل القومي الإيراني بفعل زيادة عوائد البترول المصدر للخارج، ومن هنا يتم توظيف هذه العائدات في الداخل، ما يرفع الدخل الفردي وتوفير الكثير من الاحتياجات الداخلية، من خلال إنشاء فروع إنتاجية جديدة في المجال الصناعي، يساهم بشكل كبير في معالجة  مشكلات البطالة، والتخفيف من الاستيراد، وغيرها من المشكلات الاقتصادية. 


  أضف إلى ذلك، إن سعي إيران المتواصل لتطوير برنامج نووي، ليس فقط للإغراض السلمية، بل أيضا للأغراض العسكرية، وثمة شواهد على ذلك ليس اقلها  تصريحات إيرانية تؤكد هذا المسعى، فهذا أية الله مهاجراني، نائب الرئيس الإيراني السابق، أشار في 23 أكتوبر 1991 إلى أن "امتلاك إسرائيل للسلاح النووي يجعل من الضروري على الدول الإسلامية أن تتزود بنفس هذا السلاح، ويجب أن تتعامل من أجل الحصول عليه"(4)


 وهكذا يتبين لنا مدى أهمية الطاقة النووية في تحديث إيران وتطويرها في كافة المجالات. وبالتالي ليس صحيحا ما يُقال إن إيران دولة غنية بالنفط، وبالتالي فهي ليس بحاجة إلى إنفاق ميزانيات طائلة لامتلاك بنية أساسية متكاملة في المجال النووي. إن ما قلناه أعلاه ينفي ذلك لجهة أن امتلاك إيران قدرات نووية سيعجل من عجلة التنمية والتصنيع، ويعالج مشكلات اقتصادية كثيرة، فضلا عن امتلاكها لبنية علمية متطورة، وبالتالي ستحقق إيران من جراء ذلك عوائد ضخمة لا تقدر بثمن.


وحتى ندرك الانتظام والاستمرارية في سياسة إيران الخارجية، لابد من مقارنتها بدول أخرى في المنطقة، حتى نستطيع أن نقيم سياستها الخارجية.  ومن هنا، إن المراقب للبرنامج النووي الإيراني ونظيره المصري يرى المفارقة بينهما: ففي الوقت الذي يشهد البرنامج النووي الإيراني قدرا كبيرا من الاستمرارية سواء في العهد الإمبراطوري الشاهنشاهي، أو في العهد الثوري، وهو ما يعكس وضوحا في الرؤية والإستراتيجية الإيرانية، ونهجا ثابتا ومطردا رغم اختلاف طبيعة النظامين، في المقابل نرى الجهود المصرية التي بذلت لبناء برنامج نووي في الخمسينات والستينات من القرن الفائت(الحقبة الناصرية)، والمحاولات التي بذلت أيضا في إعادة إحيائه في عقدي السبعينات والثمانينات في نفس القرن، كيف انتهت تلك المحاولات في الوقت الذي أصبحت فيه الطاقة المحركة هي عصب الحياة، وفي الوقت الذي أصبحت فيه مصر تستورد البترول، والتي ستزداد الحاجة المصرية للاستيراد في المستقبل؛ بهدف تنمية القدرات العلمية وخدمة المجتمع والتنمية في مختلف المجالات، مما يفاقم المشكلة اكبر واكبر، وهو ما يدفع  مصر بالبحث عن إستراتيجية لها، وفي نفس الوقت يعكس ذلك الانقطاع أحيانا والاستمرار أحيانا أخرى، تخبطا في الرؤية وانقطاعا في الهدف وغياب الرؤية الإستراتيجية الواضحة والمتماسكة، ويؤكد أن إيران تعمل على الاستفادة من الفرص القائمة في البيئة الإستراتيجية. ففي الوقت الذي تتراجع فيه القوة الأمريكية، ومأزقها في العراق وأفغانستان، وما رتبت له سياسات إدارة بوش إلى حد كبير من تحول إيران إلى لاعب أساسي في العديد من الساحات، كل ذلك هيأ لإيران بأن تصبح قوةً فاعلةً في الإقليم، وتقوم بالفعل بلعب أدوار إقليمية مؤثرة. فهي استغلت بذكاء هذا التراجع والضعف في السياسة الأمريكية، في تفعيل سياستها الخارجية وبخاصة المسألة النووية، حيث تدرك طهران هذه البيئة الإستراتيجية المناسبة والمواءمة لإستراتيجيتها وتدرك هذا التحول في العالم‏، حيث تتنبأ مختلف المراكز السياسية والإستراتيجية‏ والاقتصادية‏,‏ بأن العالم يتجه إلي التعددية وقرب انتهاء عصر انفراد قوة وحيدة بقيادة العالم‏,‏ التي تحتكر إدارة الأزمات الدولية‏,‏ تلك اللحظة التاريخية‏,‏ التي يتحول فيها العالم‏,‏ وتتغير المعايير التي تحكم الأفكار والسياسات‏، هذه اللحظة تستغلها إيران جيدا في طرح وتفعيل سياستها لتحقق مصالحها القومية، وهي لحظة سيكون فيها العالم العربي أمام حساب التاريخ‏,‏ إذا ما ضيع هذه الفرصة‏. أو حسب ما قاله سياسي أمريكي: عندئذ لا تلوموا إلا أنفسكم. هكذا يتبين لنا أن الدور الإيراني يسير بخطى مدروسة ومنتظمة وبدون انقطاعات، وهو ما يعطي إيران ميزة تميزها عن غيرها من دول المنطقة التي تتغير سياسات الأخيرة بتغير القيادات الحاكمة، وهو ما ينفي صفة الاستمرارية عنها. 


2. تكنولوجيا الأقمار الصناعية والعسكرية:
 تعتبر إيران الدولة الثانية بعد إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط التي تمتلك القدرة على إطلاق أقمار اصطناعية(5).، بعد أن وضعت إيران  في 4 فبراير 2009 قمرا اصطناعيا  صنعته، حيث أطلقته بواسطة صاروخ "سفير2" الذي أفادت وكالة الأنباء الإيرانية أنه بدوره صنع في إيران. من المؤكد أن إطلاق قمر إيراني الصنع بواسطة صاروخ إيراني الصنع أيضاً يعد انجازا علميا وتقنيا تفتقر إليه دول المنطقة. إن امتلاك إيران تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية والصواريخ الحاملة لها والتي بدا واضحا أن إيران حققت فيهما سبقاً على العرب، ويعد مصدر قوة تضاف إلى مصادر القوة الأخرى التي تمتلكها إيران وهو ما يعني التقدم نحو تحقيق المشروع الإيراني. بالإضافة إلى امتلاك إيران لصواريخ شهاب 1 ، 2، 3، 4 ،5 وهناك توجه للتطوير شهاب6، وصواريخ أخرى مثل  "زلزال" و"الفاتح". 


 تبذل إيران جهدا جبارا في تطوير قدراتها الصاروخيّة البالستية والتكنولوجيا العسكرية، وهي تنفق جزءا كبيرا من ميزانيتها التسلحية على ترسانة الصواريخ التي تمتلكها وتطورها. فضلا عن امتلاكها للأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وتصنيع الغواصات.  لذا تعتبر التكنولوجيا محركا رئيسيا لسياسة إيران الخارجية، وتوجيه العلاقات الإيرانية الخارجية، ونجاحها أحيانا وإخفاقها أحيانا أخرى، حيث إن إيران في حاجة متزايدة إلى تطوير قدراتها التكنولوجية واللحاق بطفرتها العالمية، والرغبة في تحديث جيشها وإصلاح ما تم تدميره منذ الثورة وأثناء حربها مع العراق، والرغبة في تحقيق نمو اقتصادي والاعتماد على الذات كأحد المبادئ الأساسية للثورة الإيرانية، في ظل الحصار الأمريكي المضروب عليها، لذا لجأت إيران لتعميق علاقاتها مع الصين وروسيا كبديل عن التكنولوجيا الأمريكية والغربية. فقد بقيت معادلة البترول الإيراني مقابل التكنولوجيا والتجهيزات العسكرية هي المعادلة المسيطرة على التوجه السياسة الخارجية الإيرانية، وهو ما جعل إيران تنجح في اختراق الحصار الأمريكي المضروب عليها، وهو ما سبب قلقا أمريكا وإسرائيليا. وهذا كله علامة نجاح تحسب لإيران وسياستها الخارجية.


3. التنمية والسياسة:
من المؤكد أن التنمية لا تقتصر فقط على القدرة على تخصيب اليورانيوم أو تطوير تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية والكيماوية والبيولوجية وتكنولوجيا السلاح، على أهمية كل ذلك لا أنه غير كافية. فالتنمية هي منظور شامل متكامل ومستديم، وهي تمثل نظاما متكاملا يعضد بعضه البعض. وبالتالي فالتنمية أبعادها الصناعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فمن خلال تنمية اقتصادية عن طريق تحقيق زيادة في الناتج الوطني الاقتصادي أكبر من معدل الزيادة في عدد السكان، مما يؤدي إلى زيادة في حجم الدخل الوطني، وبالتالي زيادة في متوسط نصيب الفرد من الدخل. وتنمية سياسية من خلال تطوير أو استحداث نظام سياسي عصري، وترسيخ المواطنة، وتحقيق التكامل والاستقرار، وإشراك القاعدة الشعبية في صنع القرار أي في المشاركة السياسية وتنمية ثقافة سياسية ديمقراطية. وتنمية اجتماعية من خلال تطوير البنية الاجتماعية المتكلسة، واعتبار الإنسان عنصرا أساسيا ومحوريا في أية خطة تنموية، وتغيير نظرة الإنسان والمجتمع إلى الأمور في المقاوم الأول.  عند ذلك يمكن القول نجاح الدولة في تأسيس نظم اقتصادية وسياسية متماسكة. 


   عند تطبيق ذلك على إيران، يتضح أنها استطاعت أن تحقق بعض الانجازات التنموية، ولكنها عجزت عن تحقيق المنظور الشمولي للتنمية المستدامة، ويكشف عن ذلك حالة الاحتجاجات الواسعة ليس في الأوساط الشعبية والطبقة الوسطى فحسب، بل من داخل النخبة السياسية التي اعترتها الفرقة وأصابها الانقسام إثر فوز نجاد بولاية رئاسية ثانية، حيث لا يزال يعاني النظام الإيراني من تلك التحولات العاصفة في بنيته الاجتماعية تم التعبير عنها بمظاهرات وحرائق وصدامات وقتلى واعتقالات بالآلاف، وهو مؤشر على أن النظام الحاكم فقد جزءا من قاعدة الاجتماعية نتيجة عجزه عن التعبير عن حركية المجتمع الإيراني، وهو دلل على  فشل الطبقة الحاكمة في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في ظل ازدياد الفجوة بين النظام الحاكم وقاعدة الشعبية. هذه الفجوة سوف تستغل من قبل الخارج وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية في إحداث المزيد من العقوبات الجديدة التي يطلق عليها بـ"العقوبات الذكية"  ضد إيران إثر تعثر نجاح المفاوضات على خلفية برنامجها النووي، وفشل نظام العقوبات الاقتصادية، وبالتالي هيكلة العقوبات بما يستعيد من فاعليتها في منع إيران من تطوير مشروعها النووي. وهي عقوبات وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلارى كلينتون بـ "عقوبات تصيب بالشلل". سوف تستهدف هذه العقوبات بشكل أساسي القاعدة الاجتماعية-الاقتصادية المساندة للنظام الإيراني، من خلال استهدافها نقطة الضعف الاقتصادية الإيرانية الأساسية المتمثلة باعتماد النظام على واردات البنزين الأجنبية التي تصل إلى 40% من احتياجاته المحلية، وهو القطاع الذي يعمل فيه داعمو النظام وبخاصة الحرس الثوري الإيراني حيث هناك كيانات تابعة لـ (الحرس الثوري) مرتبطة بهذه التجارة بشكل مباشر أو غير مباشر.


هكذا يتبين لنا أن إيران أخفقت في تحقيق  التنمية الشاملة، وهو ما يؤثر سلبا على سياستها الخارجية، وتمثل نقطة ضعف في النظام، تعمل القوى الدولية على استغلالها لجهة تحقيق أهدافها. إن الأمل في مستقبل واعد لإيران يتوقف على قدرتها في تحقيق منظور متكامل للتنمية ومستديم بما يحقق الاكتفاء الذاتي . 


  رغم أن إيران بلد نام، ويعاني من معضلات اقتصادية وبيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، بيد أنه لا يمكن إنكار ما حققته على الصعيد التنموي- وإن كانت تنمية  ناقصة- فهي تحتل على صعيد المنطقة مكانةً متميزة في الحقل الاقتصادي والعلمي والتقني، كما بينا سابقا. وهنا تبدو مفارقة غريبة تحتاج إلى بحث معمق مفادها أن إيران منذ ثورتها عام 1979 وهي ترفض الاعتراف بالنظام الدولي، واتبعت سياسة الحياد "لا شرقية ولا غربية"، مقابل ذلك فُرض عليها عزلة دولية وإقليمية وحصار ضارب من قبل النظام الدولي وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرار النزاع بينها وبين واشنطن، وعدم اعترافها بالهيمنة الأمريكية، حتى أمست، كما يقال "رأس حربة في مواجهة المشروع الأمريكي"، ورائدة بما يسمى جبهة "الممانعة"، ومع ذلك استطعت إيران أن تحقق بعض الانجازات التقنية والعلمية والتنموية برغم  الحصار والعزلة المضروبة عليها. في المقابل نجد دول عربية تتساوق سياستها مع واشنطن وفي حالة سلام مع إسرائيل إلا أنها بقيت في إسار التبعية ولم تنجز مشروعها التنموي كما أنجزت إيران التي شقت طريقها نحو التنمية الاقتصادية والصناعية. في المقابل نجد تركيا تتمتع بعلاقات جيدة مع واشنطن وإسرائيل وتعترف بالنظام الدولي القائم ومع ذلك شقت طريقها بنجاح باهر في المجلات التنموية الاقتصادية والسياسية والصناعية، رغم اختلاف منهجها عن نهج إيران. في المقابل نجد سورية التي تتبع النهج الإيراني( أي الممانعة) أخفقت بامتياز في كافة المجالات حتى أمست تعاني من جفاف يضرب بعض مناطقها، ناهيك عن فشلها حتى الآن في استعادة أرضها المحتلة. ومصر التي تتساوق سياستها مع واشنطن وفي حالة سلام دائم واستراتيجي مع إسرائيل، ومع ذلك تراجعت مكانتها الدولية  ودورها الإقليمي، وأمست عاجزة عن صنع الأحداث الدولية والإقليمية. وأكثر من ذلك فعندما أراد اوباما أن يرسل رسالة إلى العالم الإسلامي اختار تركيا ولم يختر مصر. هذه المفارقات بحاجة إلى دراسات حيث يتجلى أن المشكل يكمن عندنا نحن معشر العرب. وفي الوقت الذي تحاول فيه إيران تعديل الخلل في الميزان الاستراتيجي، نجد "العرب" منذ حرب 1973 لم تجر أية محاولة لتجاوز الاختلال الاستراتيجي بينهم وإسرائيل. وهكذا، بينما تتباين الطرق والمناهج التي يتبعها الآخرون وينجحون في تحقيق مصالحهم، إلا أن  العرب يتبعون  خطاهم و يفشلون!.

 

ثالثا، محدد القوة:
1. القوة والدور الإيراني :
  تعتبر القوة من أهم ركائز السياسة الخارجية، ولعل أخطرها. والقوة هدف أسمى تسعى الدول إلى تحقيقه لضمان مصالحها القومية ومكانتها في النظام الدولي. ومن هنا يصعب فصل القوة عن المصلحة باعتبارها العامل الحاسم في مكانة الدولة بالنسبة للدول الأخرى. والقوة تشمل عناصر مادية وأخرى معنوية. الأولى تتجلى في القدرة الاقتصادية، والقدرة الحيوية (الأرض والإقليم)، والقدرة العسكرية، والقدرة السياسية. التي تشمل العناصر المعنوية: الإرادة القومية، والأهداف الإستراتيجية، والقدرة الدبلوماسية, والقوة قيمة نسبية، وتخص الكيف وليس الكم فحسب، ومعرفة حقيقة قوة دولة منوط بمقارنتها بدول أخرى، فقوة أو ضعف أي لاعب دولي مرتبط بقوة أو ضعف لاعب دولي آخر. وقد ذكرنا فيما سبق، أنه يتعين على الدول أن يكون لها إستراتيجية لسياستها الخارجية متوائمة مع واقعها وقوتها ووزنها الحقيقي، وما تمتلك من موارد، وإلا أصبحت سياستها الخارجية وحركتها الدولية مجردة إلى حد كبير من العوامل الفاعلية، أو أن تكون قوتها  غير مستغلة. والقوة هي القدرة الفعلية للدولة على تحقيق مصالحها وأهدافها، أو القدرة على تحقيق انجاز الأشياء المتصلة بالمصلحة العامة أو الجماعية، ومنع التدخل غير المرغوب ونيل الاحترام والهيبة والسيطرة على الممتلكات والموارد. وهكذا، فإن القوة تعمل من اجل المجتمع ومن اجل تحقيق المصالح العامة "فالسياسة صراع من اجل القوة". وبالنسبة لإيران فهي تقبع على موقعٍ استراتيجي في غاية الأهمية، ويغص بالثروات الطبيعية، وتمتاز بموقع استراتيجي حساس، فهي متاخمة لشبه القارة الهندية، وتتمتع بموقع حساس آخر على بوابات الخليج العربي، ولديها من الموارد الاقتصادية الكبيرة والمتنوعة: الفحم، الغاز الطبيعي، خام الحديد، الرصاص، النحاس، المنجنيز، الزنك، الكبريت، وقابعة على احتياطات نفطية ضخمة، وتبلغ مساحتها 1.648 مليون كم2، منها 1.636 مليون كم2 يابسة، و12000 كم2 مياه، ويبلغ تعداد سكانها 70 مليون نسمة تقريباً. لذا، فإيران تمتلك من المقومات ما يؤهلها بأن تصبح قطبًا إقليمًا فاعلاً رغم أنها بلد نامي.  وهكذا فإيران تحوز على عناصر القوة، وتستثمر فعلا هذه العناصر في  اجتراح دور إقليمي، وتسعى لأن تختط لنفسها خطا سياسيا واستراتيجياً يرمي إلى أن تصبح قوةً إقليمية مهابة الجانب. ولكن المشكلة بالنسبة لإيران هي أنها تسعى إلى دور في غاية الطموح من قبيل أن تصبح قوة عظمى كما يصرح نجاد دائما.  وبالتالي فثمة معيقات كبرى تواجه هذا الدور الطموح وذات الكلفة العالية.

 

وقبل أن نوضح ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الدولة القوية تمتلك سيطرة أكبر على مصائرها من الدول الأقل قوة؛ لجهة امتلاكها للوسائل اللازمة لتنفيذ سياسات ناجعة. لذا خاضت إيران معارك ضاربة في سبيل استقلالها السياسي، وقرارها الذاتي؛ لإدراكها أن التقدم في ظل التبعية مستحيل، وبالتالي لابد من قطع الروابط العضوية التي تجعل البلد تابعاً للخارج حتى يحدث التقدم والاستقلال. وجدير بالملاحظة أن إيران تتفوق في جميع عناصر القوة على الدول العربية فرادة، وهو ما يؤدي إلى اختلال التوازن الاستراتيجي  بين العرب وإيران. تركيا هي الدولة الوحيدة التي توازن إيران في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وتتفوق عليها في أكثر من مجال. وهو ما يعني أن الدولتين القويتين في المنطقة هما إيران وتركيا بجانب إسرائيل. وهو ما ينبئ بمستقبل استراتيجي لإيران في المنطقة وفي إطارها الإقليمي، يعكس موازين القوة وحقيقة ما تملكه من عناصر القوة. ولكن نجاح دورها منوط في المقام الأول بعدم تعريض مصالح الكبار في المنطقة للخطر، وألا يتعارض هذا الدور مع مصالح القوى العظمى. وهذه شروط في غاية التعقيد والصعوبة بالنسبة لإيران، فما الحصار والعزلة المضروبة عليها منذ عقود طويلة مرده هو عدم قبول إيران بذلك. ويبقى السؤال هو:  هل تستطيع  إيران باجتراح تركيب مناسب يحافظ على دورها ودور القوى الكبرى؟ أم أن ذلك من الصعب في ظل إيديولوجيا الجمهورية الإسلامية؟ هذا التوازن الدقيق والمعقد يمثل المحك على نفاذ واستمرارية سياستها الخارجية.


  تحدثنا فيما سبق بأن إيران تقبع فوق مصادر هائلة من الطاقة، تساهم في استمرار عجلة النمو الاقتصادي العالمي وخاصة الصيني والياباني والأوروبي. وتزود إيران الصين بالنفط والغاز بما قيمته أكثر من 70 مليار دولار تساهم في تشغيل أكثر من 2300 منشأة صينية.‏ وغيرها من الدول التي تزودها إيران بالغاز مثل الهند واليابان أوكرانيا وأوروبا أرمينيا  واذربيجان وجورجيا وتايوان -كوريا الجنوبية، ناهيك عن شبكات وخطوط نقل الغاز والنفط التي تربط إيران بغيرها من الدول مما يخلق مصالح متبادلة يصعب التنازل عنها مستقبلا. من المؤكد أن كل ذلك يعطي إيران قوة ودوراً ونفوذاً في المنطقة. زد على ذلك إصرار إيران على الاستمرار في عملية اكتساب التقنية النووية وتطوير عملية تخصيب اليورانيوم على أراضيها، فنجاحها في ذلك يضيف إلى عناصر قوتها الشاملة، ما يؤثر في تطوير وتفعيل دورها الإقليمي، وهو ما يزيد الشعور لدى الجوار بتفاقم الخطر الإيراني، ويجعل إيران دولة محورية في أي مشروع لأمن الخليج وقوة مرهوبة الجانب مقابل ضعف الاختيارات الأمنية والسياسية العربية، ويزيد من الفجوة والتباعد بين النظم العربية وقاعدتها الشعبية، وتمسى هذه النظم جثة هامدة متقدمة في الاهتراء.


2. التصورات الذهنية المهيمنة على الطبقة الثيوقراطية:
إن المحلل لقوة إيران، والتصورات الذهنية عن الدور الإيراني الإقليمي والعالمي،  يلاحظ أن هناك موارد تساهم في إنفاذ بعض هذه التصورات، وإيران تستثمر فعلا هذه الموارد في إنفاذ مشروعها. ولكن بالضرورة ثمة معيقات تواجهها. أهمها الفجوة بين تصورات الدور وإمكانات تنفيذه. نعم تتوفر لدى إيران إرادة سياسية قوية، وهي ترغب في لعب دور إقليمي وعالمي طموح، كما يكرر احمدي نجاد في المحافل الدولية.

 

وهي ترغب أيضا في إنشاء نظام دولي متعدد الأقطاب، تكون فيه إيران قطبا دوليا محوريا يتحدى الهيمنة الأمريكية أو هيمنة القطب الواحد. ولكن هناك فرق بين الرغبة والحقيقة. فهناك إشكالية في هذا الصدد. فإيران لديها موارد تؤهلها للعب دور إقليمي ومحوري، ولكن بخصوص التصور والتمثلات( الإيديولوجيا الحاكمة) التي تؤثر بالضرورة في نظام السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، يكتنفها قدرا كبيرا من الـمبالغة. فهي تعمل على تعظيم الذات وتضخيمها، وترسم لنفسها دورا يفوق دورها كدولة دنيوية يقودها بشرٌ، فهذه الشمولية في التصورات والتمثلات تتضمن بالضرورة الفراغ. فهي تفترض أن العالمَ فراغٌ تسعى إيران لملأه. ففي التصورات الشمولية تنعدم الحركة وتستدعى السكون، لأنها مقاربات ذهنية ناجزة ومكتملة، لا تفترض التعددية التي تتضمن الحركة والسيرورة.  ناهيك عن نزعة التوسع القومي. وهكذا تعتبر إيران نفسها مركزا يجب أن يدور العالم من حوله. هذه المركزية، التي  تحطمت مع تفكيكية دريدا، ومع "ميكروفيزياء السلطة عند فوكو" (معزو عبد العالي، مجلة مدارات فلسفية، العدد 13).

 

القوة عند فوكو- وبالتبعية المكانة والهيبة- لا مركز لها، فهي متعددة، أي لا يمكن اختزالها في شكل محدد وإضفاء المركزية أو القداسة عليها كما تفعل إيران، فالسلطة/القوة في كل مكان، وهي في حالة سيرورة بلا ذات. هذه المركزية نراها في تصريحات القيادة الإيرانية من نجاد إلى خامنئي، وهي مركزية تفترض أن إيران هي المقر الثابت الذي يتشعب منه الفروع، تنطلق منها الشعاعات إلى بقية العالم. أي أنها مكتفية بذاتها، لا تستمد أي شيء من الغير. خذ على سبيل المثال "نظرية أم القرى"، النظرية التي ترمي إلى جعل قم  وطهران هما أم القرى بدلاً من مكة، أي مركز العالم الإسلامية، وعاصمة لكل المسلمين، وسيكون فيها قيادة العالم الإسلامي، لتتزعم الأمة بزعامة ولاية الفقيه. أو ما يصرح به الرئيس الإيراني احمدي نجاد، عندما تكلم في نيويورك في أيلول من العالم (2005) أن إيران " أمة تمتلك تاريخا من الحضارة يرجع لآلاف السنين. ويدين لنا العالم بالكثير من القيم الأخلاقية والإنسانية. وما زلنا نمتلك القدرة الكامنة لقيادة العالم إلى تلك القيم الطيبة. والشيء الوحيد الذي نريده لتحقيق هذا الهدف ليس فهم أنفسنا ولكن الإيمان بها".

 

ويكفي الدخول إلى موقع وزارة الخارجية الإيرانية على الانترنت، سوف نلاحظ عبارات تزخر بتصوير مكانة إيران وعظمة حضارتها ومدى تميز الإيرانيون وتفردهم عن العالم والحضارات الأخرى، وهم دائما يعطون ولا يأخذون، عطاءٌ دائمٌ وبلا حدود، كأنهم شريان حياة الأمم الأخرى ومصدرها الروحي. هكذا يصورون أنفسهم. وهي تصورات ترمي إلى تعظيم الذات الإيرانية، والرفع من شأنها ومكانتها، وهي تجد مكانة لها في أذهان الإيرانيين. وتظهر بشكل جلي في مدى اعتزاز الإيرانيين بحضارتهم وثقافتهم مثل: "إن النهضة الإيرانية من مراكز الحضارة الإنسانية في العصور التاريخية في قارة آسيا والعالم و تخطي بموقع مهم" ، و"تتبوأ إيران مكانة متميزة في الشرق الأوسط بل في العالم اجمع"، "وزاد من أهميتها موقعها الحضاري العريق علي امتداد التاريخ" و"هذا قيّض لإيران بان تزخر بتجربة حضارية راقية جعلها معلما للتقدم إنسانيا وسياسيا وثقافيا علي المستوي الوطني والإقليمي والدولي". وهي تشيد بدورها وبقدراتها وطاقتها في مجال قطاع الصناعات الثقيلة والانجازات العلمية والتنموية والتكنولوجيا، "الأمر الذي بوأ بلادنا مكانة متقدمة سياسيا واقتصاديا وثقافيا و سياحيا وجعلها محط أنظار دول المنطقة والعالم، ورقما صعبا في جميع المعادلات الإقليمية والدولية". وحتى في مجال الأدب والشعر فإيران تعظم من قيمة آدابها وشعرها فنقرأ مثلا: "بأن الشعر الإيراني القديم منه والحديث قدم صورا مشرقة وخلاقة"، وهو شعرٌ مميزٌ فنقرأ أيضا أن "الشعر الفارسي(… )حفز الإيرانيين على سکب إبداعاتهم الشعرية في قوالب خاصة انفردوا بها ". وهم يعتبرون أنفسهم "أنهم اغنوا الحضارة الإنسانية ". 


  في ضوء ذلك، من الواضح أن هناك وعيا إيرانيا فيما يخص هيبة وموقع ومنزلة إيران بين الأمم، ويظهر ذلك من خلال المفردات التي يستخدمها قياداتها المفعمة بالإشارات إلى المساواة وعدم المساومة في المكانة. فمثلا يقول الرئيس الإيراني احمدي نجاد: إن منع إيران من تخصيب اليورانيوم سيمثل حالة من "التمييز النووي" التي تفرضها "بعض الدول القوية التي تستخدم منهجا تمييزيا". ويقول أيضا: ينبغي "وجود حقوق متساوية للشعوب والأمم في العلاقات الدولية"، وهذا يعني أن" الوصول إلى تقنية سلمية لإنتاج الوقود النووي لا يمكن تقييده بالبعض الذين يحرمون معظم الأمم منها ويقومون بتشكيل احتكارها اقتصادية، ويستخدمونها كأداة لتوسيع هيمنتهم". هذه الحالة من الإشارة إلى عدم المساواة والتمييز ضد إيران، لا تميز القيادة الإيرانية الحالية، بل موجودة عند القيادة الإيرانية منذ زمن بعيد.

 

فقد جادل محمد مصدق، الذي انقلبت عليه وكالة الاستخبارات المركزية (C.I.A)، للتخلص منه ومن حكومته إثر تأميمه شركة النفط الانجلو-إيرانية، أن التأميم عمل مبرر لأن الملكية البريطانية للشركة تفرض شكلا من "العبودية الاقتصادية على أمة مضطهدة". هذه التصورات والتمثلات، تجد مكانة لها في أذهان الجماهير الإيرانية التي تشير دائما إلى المعايير المزدوجة حول برنامج إيران النووي، والتي وصلت إلى حد انتهاك كرامة البلاد.


 وفي أعقاب إطلاق قمرها الاصطناعي أوميد، أشارت الصحافة الإيرانية إلى أمر حرصت على إظهاره وهو "أن الأمر يعود إلى الولايات المتحدة كي تندم على أخطاء الماضي، وأن تقبل الحقيقة أن إيران أصبحت قوة عظمى ذات تطور علمي عظيم دون مساعدة من الغرب" وأشارت أيضا: "إن إطلاق القمر الصناعي والبرنامج النووي الذي يثير قلق العالم، فكانا في نظرهم مصدر فخر، ورداً على العقوبات الدولية المفروضة على إيران لإرغامها على كبح طموحاتها النووية". وفي زيارته الأخيرة إلى نيويورك ألقى احمدي نجاد كلمته أمام قمة قادة الدول على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، هاجم فيه الرأسمالية العالمية، وأننا  "بحاجة إلى العودة إلى الخطة الإلهية وفطرتنا التي من أجلها خلق الإنسان والعودة إلى الحكم العادل والمنصف" ، " وان ثمة نوعين من الإدارة، الأولى أمريكية ثبت فشلها، والثانية إيرانية يمثلها ميثاق قورش والتعاليم الإسلامية السامية"، و"أن بلاده أصبحت القوة العالـمية الوحيدة إلى جانب الولايات الـمتحدة الأميركية، وأضاف: إن العالـم يدرك أن هناك قوتين فقط تتمتعان بأقوى نفوذ في العالـم، وهما الولايات الـمتحدة وإيران".


من خلال ذلك يتجلى كثير من الأمور أهمها أن الصورة الذهنية الضخمة، التي تقترب إلى حد الأسطورة(أو الخرافة) منها إلى الحقيقة. والمهم هنا، بعد هذا الاستطراد، هو أن هناك فجوة بين هذه التصورات (الصور الذهنية عن الذات وبالتالي الدور) وبين موارد إيران. وهذا يترتب عليه كثير من المعضلات التي تؤثر سلبا على نظام سياستها الخارجية.


ولكن يمكن أن نفترض أن إيران لديها مقومات كثيرة، وتستثمر فعلا هذه المقومات والإمكانات، ولكن ثمة معيقات تواجهها، أهمها  الفجوة بين تصورات الدور وإمكانات تنفيذه. فإيران قوية بالنسبة لمن ؟ فهل توازن إيران قوة الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى فرنسا أو إسرائيل؟


رابعا، الهيبة والدور الإيراني:
بخصوص محدد الهيبة في السياسة الخارجية الإيرانية، نلاحظ أن موضوع التنمية  في إيران، وسعيها الحثيث للحصول على الهيبة، تركز على التقنيات العسكرية والتقنية أكثر من تركيزها على تطوير مؤسساتها الدستورية والسياسية، واحترامها للديمقراطية، والتعددية السياسية، وحقوق الإنسان، واحترام الاتفاقيات الدولية. كل ذلك يضمن لها احترام المجتمع الدولي، فجميعها تشكل عناصر للهيبة والمكانة، التي تمثل قضية محورية في نظم السياسة الخارجية، فالاحترام الذي يمنحه المجتمع الدولي لدولة ما من الدول، لا يكون إلى باستدخال هذه العناصر في بنيتها الدستورية والسياسة. فمن خلال ذلك تحوز الدولة على السمعة الدولية والمكانة الحسنة والمرموقة. وهذا ما يجعل للدولة هيبة. وتركيا خير مثال على ذلك، من خلال الموقف الأمريكي والأوربي بخصوص الاستفتاء التركي. فالديمقراطية أصبحت أيقونة العصر، وبدونها لا يمكن لدولة ما أن تحوز على الهيبة والمكانة. فالتحول نحو الديمقراطية، لا يكفيه اصدر دستور وإجراء انتخابات.

 

رغم أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في 12 حزيران- يونيو 2009، تعد العاشرة التي تجرى في إيران منذ قيام الثورة، هو دليل على حيوية النظام السياسي الإيراني، إلا أن ما جرى بعد الانتخابات افقد النظام هذه الحيوية، ونال من سمعة وهيبة إيران أمام العالم. فقد شكك في نتائجها ونزاهتها ليس من قبل  خصوم إيران فحسب، بل من النخبة الإيرانية ذاتها، ومن أقطاب النظام أنفسهم، ومن داخل المؤسسة الدينية التي اعترتها الفرقة والانقسام. ناهيك عن تقريع النخب الإيرانية بعضها بعضا، والاتهامات المتبادلة بالغش والفساد والتزوير. فضلا عن الاعتقالات للمعارضين وتعذيبهم. فقد فضحت الانتخابات النخب الإيرانية أيما فضيحة، وكشفت عيوب النظام الإيراني، وهو ما شكل نقطة ضعف خطيرة مست هيبة الدولة ومكانتها الدولية، ونال من حيوية النظام السياسي الإيراني، وهو ما له تأثيرات جمة على  سياسة إيران الخارجية. وهكذا، إذا كان للحالة الديمقراطية في إيران أوجه، فإن بها أيضا قسمات للدكتاتورية، مثل وضع المرشد صاحب الصلاحيات الواسعة جدا، وسيطرة وتحكم مجلس صيانة الدستور في العملية الانتخابية باختيار الشخصيات المرشحة للانتخابات الإيرانية البرلمانية والرئاسية. فضلا عن تقييد صلاحيات رئيس الجمهورية. بلا شك كل ذلك ينقص كثيرا من الديمقراطية الإيرانية، والنموذج الإيراني.


كما أن المأزق الداخلي للنظام سيؤثر على أولوياته في الخارج، وسيجد النظام نفسه أمام صعوبات جما في بلورة الإجماع الوطني حول سياسته الخارجية في الوقت الذي يحتاج إلى هذا الإجماع كمعين وسند قوي له في الدفاع عن سياسته، وبخاصة الملف النووي الإيراني، في ظل ما يحاك لإيران من تربص.

 

وبالتالي يمكن القول على رغم ثراء التجربة الإيرانية، إلا أن ما يمكن استخلاصه منها لا يصلح بالضرورة للتعميم خارج نطاقها، وبخاصة أن نظامها جاء طبقا لنظرية الإمامة في الفقه الشيعي، والتي تتلاءم مع الشخصية الشيعية وتراثها الفكري والحضاري وثقافتها السياسية، وهكذا فهي تعكس خصوصية الحالة الإيرانية فحسب. لذا فإن هذا النموذج لا يصلح للتطبيق خارج نطاق الخصوصية الإيرانية. وهذا يضعف من إمكانية أن تكون إيران كمركز للعالم الإسلامي أو "أم القرى" حسب التعبير الإيراني. وهذا بالتأكيد يشكل نقطة ضعف في النموذج الإيراني، ونقطة ضعف أخرى في سياستها الخارجية، ويجعل طموحها يستنزف مواردها في مشروع وهمي وحلم لا يمكن أن يطبق. منذ الثورة الإيرانية حتى الآن هل أنجز هذا الطموح ؟ أما النجاحات الخارجية التي تحققت في هذا الجانب فقد تحققت بفعل ظروف طارئة وحالة الفراغ والإحباط اللتان تسودان في المحيط  الجيوسياسي لإيران .


تكشف الحركة الخضراء عن تحديات مباشرة أمام هيمنة الطبقة الثيوقراطية، وتفسيرها  لما هو مقبول أو غير مقبول من سلوك وحريات اجتماعية وحرية رأي وصحافة، وأنماط حياة مبتغاه، ناهيك عن العولمة وأثرها على النظام السياسي الإيراني. هذه المتغيرات والمتطلبات الموصوفة  بالحداثية، هل ستخضع لتكييف إسلامي شيعي ؟ خصوصا لأول مرة تخضع المسألة الدينية في إيران لإعادة نظر، بل التجرؤ على الأمام الخميني وحرق صوره ووسم خامنئي بالدكتاتور والمحفظين بالجمود والفساد، وهو ما يعني أن رياح التغيير أصابت العمق الإيراني في محاولة للتخلص من آثار الجمود والتشدد، والإفلات من الأصولية التي افتقرت إلى صياغة نموذج تنموي شامل ومستديم. تطالب الحركة الخضراء بالاهتمام بأولويات المجتمع المدني، والتنمية الداخلية على جميع المستويات، فهذه الاحتياجات التي كشفتها المعارضة الإيرانية، بحاجة من الطبقة الحاكمة أن تعطيها الأولوية القصوى من الدخل القومي والصادرات والواردات، كأحد مطالبها التي كُشف عنها النقاب. وعلى إيران أن تدرك الهيبة لا تتحقق في الحصول على السلاح النووي فقط، بل في تحقيق التنمية ودمقرطة النظام، ومواكبة العصر ومتطلبات الحداثة السياسية. عند ذلك ستحقق إيران بالفعل الهيبة والمكانة المرموقة، لا عن طريق تصريحات نجاد عن قيادة العالم والإدارة الإيرانية، أو تصدير النموذج الإيراني للخارج، فكل ذلك لا نفع من ورائه ، بل يستنفذ القدرات والموارد الإيرانية.

 

إن الانطلاق لا يتم مما يقوله نجاد والقيادات الإيرانية، وما يتوهمونه، ويتصورونه عن دور إيران في قيادة العالم الإسلامي؛ لا، بل يتم من الانطلاق من الفعل الواقعي، والعمل على تطوير نظام الحياة الواقعي. إن  من الأجدى لإيران أن تبدأ من هنا أي من العالم الواقعي، الايجابي بتطوير النظام بما يتوافق مع حاجات العصر ومتطلبات الجماهير المحرومة. هذا الفعل الرشيد للنظام هو المادة هي التي تحقق لإيران الهيبة والمكانة، لا التصورات الوهمية. فلا يمكن أن يتعاطى العالم مع اللا موجود، ويتجاوز الوجود الكائن. وعلى إيران أن لا تخرج ذهنا عن هذا، إن أرادت التقدم.


الخاتــمة:
قدمنا، في هذه الثلاثية، قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية مع تقييم هذه السياسة ومقارنتها بالدول العربية المركزية في المنطقة. وذلك من خلال منظور متكامل، بغية فحص كافة المحددات التي تلعب دورا في تسيير دفة السياسة الخارجية. ومن هنا يتبين أن إيران أصابت في الكثير من الجوانب، وحققت نجاحات لا يمكن إنكارها في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد التي تقبع فوقها إيران. حيث ركزت سياستها الخارجية على مواجهة التحديات الخارجية عبر منظومة متكاملة من الإجراءات. ركزت على تطوير قدرات إيران، في مجال التسليح، فضلا عن تنشيط العمل في برنامجها النووي، وتنمية اقتصادها. من خلال سياسة خارجية قائمة على بناء شبكة من الروابط والتحالفات الإقليمية والدولية، مما حقق لها امتلاك قدرة أكبر في مواجهة التهديدات المختلفة. وهو ما عزز مكانتها الإقليمية، فضلا عن حماية مصالحها الإستراتيجية، واستقلالها على المستويين الإقليمي والدولي. وتتبع في ذلك سياسة تتسم بالهدوء والحذر وسياسة النفس الطويل، والعمل دون كلل بحيث تحافظ على الاستمرارية وعدم الانقطاع ومن ثم البدء من الصفر كما هو الحال في النظم العربية.

 

بل بتراكم الانجازات ونقاط القوة، بحيث لا تغضب الولايات المتحدة الأمريكية، القطب المهيمن، إلى الحد الذي لا يمكن أن تطيقه هذه الأخيرة، من خلال الحيلولة دون وصول أو دفع التناقض معها إلى الذروة، طبقا لمبدأ إن شدت واشنطن رخت طهران. فضلا عن استغلال البيئة الدولية، والتراجع الأمريكي لطرح مشروعها ودفعه بخطوة إلى الإمام. وهكذا، أصحبت إيران على صعيد منطقة الشرق الأوسط قوة عسكرية واقتصادية وتقنية. ولكن كما قلنا سابقا فإن القوة في الكيف وليس في الكم فحسب. أي انه على الرغم أن إيران قوة إقليمية عسكرية واقتصادية وتقنية، إلا انه عند مقارنة ذلك بدول أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط تفقد إيران قوتها، ويتجلى ضعفها. فمثلا، على صعيد القوة الاقتصادية، لا تقارن  باليابان، أو الصين، أو نمور أسيا (من كوريا إلى تايوان) أو أوروبا بما فيها ألـمانيا، أو حتى تركيا. أما على صعيد القوة العسكرية، فإنها لا تقارن القوى بروسيا، أو بريطانيا، أو فرنسا. هذه الدول النووية، ذات المكانة الدولية، والتي تتمتع بحق الفيتو في الـمنظمة الدولية. وقس ذلك في موضوع التحول نحو الديمقراطية، ومفاهيم المجتمع المدني وحقوق الإنسان. وغيرها من مفاهيم العصر.


 إلى جانب ذلك ثمة إخفاقات تكتنف سياستها الخارجية أهمها  التصورات الذهنية الكبرى التي تعتور الدور الإيراني. فلا تزال تهيمن على العقل السياسي الإيراني فكرة المركزية والشمولية، ففي الوقت الذي فيه تتفكك هذه المفاهيم، وتنتفي فيه فكرة المركز والحقيقة المكتملة، لا تزال إيران تؤمن بهما في عصر ما بعد الحداثة. ناهيك عن عجزها حتى الآن عن  تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع الإيراني. وهو المحك  الرئيسي في تقييمنا لنجاح أو فشل أية سياسة خارجية، هو نجاحها أو فشلها في تحقيق تنمية مستدامة  لمجتمعها. وعلية فإن إيران بحاجة لإعادة صياغة سياستها الخارجية في تركيب خلاّق ومبدع يواكب مفاهيم العصر واحتياجات البناء في الداخل، وهي  احتياجات كشفت عنها المعارضة الإيرانية  مؤخرا. وعليه، إن البنية الدستورية والمؤسساتية لإيران تواجه تحديات كثيرة داخلية، أي من القوى المجتمعية والحراك الاجتماعي. ومن الخارج، أي من النظام العالمي سواء من جانب الدول أو المؤسسات الدولية، أو من قوى عولمية ومنظمات غير حكومة.  وهو ما يشكل تحديات كبرى أمام إيران. هذه التحديدات تدفع –بالضرورة- البناء المؤسساتي والدستوري في إيران إلى اجتراح الوسائل الملائمة للتعامل معها، حتى يستطيع النظام الاستمرارية والتكيف مع هذه التحديات. هل ستنجح البنية الدستورية والمؤسساتية للنظام في التعامل مع هذه التحديات ؟. يمثل الإجابة الحاسمة على هذه السؤال مستقبل الجمهورية الإسلامية.

 

المراجع:
1. محمد توهيل فايز عبد أسع، علم الاجتماع السياسي، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، القاهرة، 1999، ص383.
2. أحمد إبراهيم محمود، البرنامج النووي الإيراني: التطور والدوافع والدلالات الإستراتيجية، السياسة الدولية، 1998، العدد 131
3. دنا حسين أبو ناصر، الملف النووي الإيراني، سورية، 2007، ص 25.
4. احمد إبراهيم محمود، البرنامج النووي الإيراني آفاق الأزمة بين التسوية ومخاطر التصعيد، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، القاهرة، 20056.
5. أحمد يوسف أحمد ، العرب والتحدي الإيراني، الاتحاد، 10 فبراير 2009م.

 

 

Подъехав поближе, танк выпустил два гибких механических манипулятора, похожих на щупальца.

Машина продолжала позвякивать, заглушая дождь.

Она "Розы" выдвинула верхний ящик стола, сгребла туда все бумаги и захлопнула его.

Ты, конечно, имеешь в виду Иоганна Фауста, известного шарлатана, ныне живущего в.

Во-вторых, открывались новые горизонты для конструирования, поскольку теперь можно было получать такие типы штаммов, которые не могут возникнуть в естественной "Экономическая география. Конспект лекций / Пособие для подготовки к экзаменам" среде или неспособны к воспроизводству.

А потом фильтрующие маты начнут вытягивать воздух.

Newsletter

Name:

Email:

عدد الزوار

mod_vvisit_counterToday506
mod_vvisit_counteryesterday517
mod_vvisit_counterLast week4211
mod_vvisit_counterThis month7394
mod_vvisit_counterAll days774621

We have: 10 guests online
Today: تشرين2 12, 2019